محمد بن جرير الطبري
149
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تعاقب . فسمى الله جل ثناؤه الفدية عوضا ، إذ كان أخذ عوض من معتاض منه . وقوله : وَلا خِلالٌ يقولا : وليس ، هناك مخالة خليل ، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته ، بل هنا لك العدل والقسط ، فالخلال مصدر من قول القائل : خاللت فلانا فأنا أخاله مخالة وخلالا ؛ ومنه قول امرئ القيس : صرفت الهوى عنهن من خشيه الردى * ولست بمقلي الخلال ولا قالي وجزم قوله : يُقِيمُوا الصَّلاةَ بتأويل الجزاء ؛ ومعناه الأمر ، يراد : قل لهم ليقيموا الصلاة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني الصلوات الخمس . وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً : يقول : زكاة أموالهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة ، في قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ قال قتادة : إن الله تبارك وتعالى قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا ، فينظر رجل من يخالل وعلام يصاحب ، فإن كان لله فليداوم ، وإن كان لغير الله فإنها ستنقطع . القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ يقول تعالى ذكره : الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء أيها الناس ، وأنزل من السماء غيثا أحيا به الشجر والزرع ، فأثمرت رزقا لكم تأكلونه ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ وهي السفن لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ لكم تركبونها ، وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد ؛ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ماؤها شراب لكم ، يقول تعالى ذكره : الذي يستحق عليكم العبادة وإخلاص الطاعة له ، من هذه صفته ، لا من لا يقدر على ضر ولا نفع لنفسه ولا لغيره من أوثانكم أيها المشركون وآلهتكم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال ثنا ورقاء ؛ وحدثنا الحسن بن محمد ، يعني الزعفراني ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ قال : بكل بلدة . القول في تأويل قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ يقول تعالى ذكره : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وفعل الأفعال التي وصف . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يتعاقبان عليكم أيها الناس بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعاشكم . دائِبَيْنِ في اختلافهما عليكم . وقيل : معناه : أنهما دائبان في طاعة الله . حدثنا خلف بن واصل ، عن رجل ، عن مقاتل بن حيان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ قال : دءوبهما في طاعة الله . وقوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يختلفان عليكم باعتقاب ، إذا ذهب هذا جاء هذا بمنافعكم وصلاح أسبابكم ، فهذا لكم لتصرفكم فيه لمعاشكم ، وهذا لكم للسكن تسكنون فيه ، ورحمة منه بكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ يقول تعالى ذكره : وأعطاكم مع إنعامه عليكم بما أنعم به عليكم من تسخير هذه الأشياء التي سخرها لكم والرزق الذي رزقكم من نبات الأرض وغروسها من كل شيء سألتموه ورغبتم إليه شيئا . وحذف الشيء الثاني اكتفاء بي " ما " التي أضيفت إليها " كل " ؛ وإنما جاز حذفه ، لأن " من " تبعض ما بعدها ، فكفت بدلالتها على التبعيض من المفعول ، فلذلك جاز حذفه ، ومثله قوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني به : وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا . وقد قيل : إن ذلك إنما قيل على التكثير ، نحو قول القائل : فلان يعلم كل شيء ، وأتاه كل الناس ، وهو يعني بعضهم ،